ابن ميثم البحراني

73

شرح نهج البلاغة

صفات اللَّه وحمده وصفات رسله عليهم السلام وقد يكون الوسط غير اقتصاص بل دالَّة على مصلحة وحثّ عليها كما في المشورة إذ ليس فيها ما يحكي ويشتكي ويحمد ويذمّ وليس فيها منازعة ومواثبة والصدر فيها حسن ليكون المشار عليه قد وعى الغرض واستعدّ للقبول وهو في المشاجرة قبيح ، وأمّا الخاتمة فهي حسنة في المشورة أيضا والَّذي يليق بها أن يكون أجزائها مفصّلة غير مخلوطة بما قبلها وخصوصا في المشوريّات وهو أن يقول المشير : قد قلت ما عندي من النصيحة والرأي ما ترون ، وكما يقول الخطيب : أقول قولي هذا واستغفر اللَّه العظيم لي ولكم إنّه هو الغفور الرحيم ونحو ذلك ، وأمّا الثالث وهو الأمور الَّتي تتعلَّق بهيئة الخطيب فيخيّل معاني أو يخيّل أخلاقا واستعدادات الأفعال وانفعالات ويسمّى ذلك نفاقا والأخذ بالوجوه فهي إمّا أن يتعلَّق بصوته كرفعه في موضع الرفع وخفضه في موضع الخفض وبتذكية نفسه أو بكونه على زيّ وهيئة وسمت حسن يصيد به القلوب ، وهذا القسم إنّما يكثر الانتفاع باستعماله مع ضعفاء العقول إذا كانوا للاستدراجات بالأمور المحسوسة أطوع ولذلك يكبر في أعينهم من كان يرى النساك والمستكثرين من العبادة والخشوع الظاهر وإن كان جاهلا مرائيّا ، ولمّا لم يكن غرضنا من التعرّض بذكر الخطابة هاهنا إلَّا الإشارة إلى أقسامها الكلَّيّة لتبيّن معنى الخطابة وما عسى أن نذكره من أنّ الخطابة الَّتي نحن شارعون في بيانها من أيّ أقسام الخطابة هي وليتفطَّن المطَّلع على ما ذكرناه هاهنا لمّا لم نبيّنه من ذلك لا جرم اقتصرنا على هذا القدر من الإيراد ، وأمّا البسط ففي الكتب المطوّلة ، واعلم أنّ الغالب على كلام عليّ عليه السّلام هو المشوريّات وأمّا المنافريات والمشاجريّات فهما أقلّ كما ستعرف ذلك عند تصفّح أقواله إنشاء اللَّه تعالى وباللَّه التوفيق . خاتمة لهذه القاعدة : وأمّا الخاتمة ففي بيان غايته عليه السّلام من الخطابة : واعلم أنّه لمّا كان الغرض من وضع الشرائع والسنن إنّما هو نظام الخلق وجذبهم إلى الجناب المقدس عن دار الغرور وتذكيرهم لمعبودهم الحقّ وتعليمهم كيفيّة السلوك للصراط المستقيم كما أو مأنا إليه ، وعلم من ذلك أنّ عليّا عليه السّلام كان مقررا للشريعة ومثبتا لها وموّضحا لمقاصد سنن الرسول صلى اللَّه عليه وآله ومفرّعا لأحكامها إذ كان هو الممنوع بجوامع العلم والمطَّلع على الأسرار